بابكر عيسى احمد يكتب ..الغربة . أقسى نضال ..عودة الطيور المهاجرة رهينة بميلاد الدولة المدنية المقتدرة*

 

الخرطوم ..ناس برس

 

فجأة وبلا مقدمات قذفت العزيزة الدكتورة محاسن زين العابدين عضو لجنة المركز الثقافي السوداني بالدوحة حجراً في بحيرتي الراكدة وفجرت ينابيع من التساؤلات والاسئلة العاطلة عن الإجابة، وتساءلت دكتورة محاسن ببراءة عن الهجرة والنزيف الذي يعانيه الوطن بسبب هجرة العقول ونزيف الطاقات والقدرات المبدعة وانتشرت في مختلف انحاء العالم، فيما يحتاجها الوطن بصورة ملحة وعاجلة، و ذلك في مداخلة أسفيرية مع الصديق الدكتور أمجد سليمان.
رغم تأخري في الإستجابة لرغبة د. محاسن في أن أكتب عن موضوع الهجرة إلا أنه ظل يؤرقني مختمراً في الذاكرة وهو ما يحدث لكثيرين غيري.
فقضية الهجرة ونزيف العقول ليست جديدة على وطن مثل السودان، فلقد ابتلانا الله بأنظمة سياسية متعاقبة تجعل الوطن طارداً وغير قادر على استيعاب طاقات ونبوغ أبنائه، وعوضاً عن احتوائهم في دولاب العمل بالدولة سعى للتخلص منهم عن طريق الهجرة وسهل لهم ذلك بكافة الطرق والأساليب تحت مسميات مختلفة.
كان هناك في منطقة الخليج وهي الأقرب إلى السودان تعطش للكفاءات السودانية وبدأت الهجرات في وقت مبكر، ورحب بهم أهل الخليج ووفروا لهم سبل العيش الكريم فاستقروا واستقدموا أسرهم وعوائلهم وأصبحت لهم صلات ممتدة في شبه الجزيرة العربية وخاصة في السعودية وقطر والكويت والإمارات، واستفادوا كثيراً من خبرات الوافدين السودانيين في مختلف مناحي الحياة خاصة وأن التعليم في السودان قد بدأ منذ مطلع القرن العشرين.
نحمد لأهلنا في الخليج أنهم احتفوا بأعداد مقدرة من أخوانهم السودانيين الذين وفدوا إليهم في الوقت الذي كانت بلادهم في أمس الحوجة إلى طاقاتهم وقدراتهم وامكانياتهم الكبيرة.
لو توفرت في السودان سلطة تمتلك الرؤية والإرادة لتحقق ذلك وتهيأت لهم الظروف المناسبة والمناخ الجاذب لعودة ملايين المهاجرين من أصقاع الدنيا المختلفة.
لن أجازف بالزعم ولكنني على يقين بأن إدارات شؤون المغتربين المتعاقبة في السودان لا تمتلك احصاءات عن هذه الكفاءات ومؤهلاتهم وأماكن تواجدهم وإمكانية الإستفادة من قدراتهم بل اعتبرتهم مع تعاقب الأنظمة الشمولية والعسكرية مجرد “أبقار حلوبة” يتم استنزافها عن طريق الضرائب والجبايات التي تتم في أغلب الأحيان بصورة لا إنسانية ولا أخلاقية.
إن الله قد إبتلى السودان ومنذ الإستقلال بأنظمة فاشلة ومتكلسة وفاسدة وقصيرة النظر حيث بدأت الهجرة في أغلبها لأسباب اقتصادية حتى جاءت “الانقاذ” لتحول الهجرة إلى طوق نجاة من المهانة والمذلة والعته الديني الذي جعلنا كشعب من المنبوذين وكوطن من رعاة الإرهاب.
الآن وحيث ما توجه ناظريك في جميع انحاء المعمورة تجد أعداد متناثرة من السودانيين وخاصة في منظمات الأمم المتحدة المتخصصة، وفي دول أخرى كثيرة تجد قامات سودانية قادرة ومقتدرة وفي الرابع من يوليو الماضي تابعت مسيرة سودانية مطالبة بالديمقراطية والإقتصاص لدماء الشهداء أمام الكونغرس الأمريكي في واشنطن وكأنها مسيرة في شارع الستين في قلب الخرطوم.
أذكر أنني شاركت في العام ١٩٧٧ ضمن مجموعة من صحفي العالم الثالث في مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة الدولية الخامس “U.N.C.T.D” في حاضرة الفلبين مانيلا خلال حكم فرديناد ماركوس وزوجته اميلدا ماركوس، وأذكر من بين الموضوعات المطروحة في جدول أعمال المؤتمر موضوع هجرة العقول من الدول النامية إلى الدول المتقدمة ويطرح المقترح ضرورة تعويض الدول المتقدمة للدول التي تهاجر منها العقول والكفاءات حيث جرى إقرار مبدأ تعويض الدول النامية عن هذا النزيف المفقر لبلدانهم.
لو اعملت هذه القاعدة في الوقت الراهن وفي جميع الدول التي تحتضن عشرات الآلاف من السودانيين في أمريكا وكندا ودول الكاريبي والإتحاد الأوروبي خاصة بريطانيا وفرنسا إلى جانب استراليا وماليزيا ونيوزلندا إضافة إلى العديد من الدول الأفريقية ودول الخليج العربية لما شكت الخزينة العامة في البنك المركزي السوداني من الخواء وانعدام السيولة واحتياطي العملات الصعبة.
كل ما سبق و تعرضت له جانباً ولكن الجانب الأصعب هو الكلفة النفسية التي يدفعها المغترب والتي عبر عنها الفنان الراحل عبدالكريم الكابلي -طيب الله ثراه- من أن “الغربة أقسى نضال” في رائعته الخالدة “زمان الناس” وهي ذات الغربة التي تجرع كأسها المرة الراحل الكابلي ومات بعيداً عن أحضان الوطن الذي أحبه وغنى له وأحبه الملايين من عشاقه والمحبين والمعجبين به.
كما قلت أن العزيزة الدكتورة محاسن زين العابدين فجرت العديد من الينابيع الصعبة بسؤالها عن الهجرة، وأشكر لها أنها أيقظت فيّ المسكوت عنه، ومن أجل كل هذا يناضل شباب وشابات السودان في الشوارع مطالبين بالديمقراطية وبمدنية الدولة رافعين شعارات “حرية سلام وعدالة” وهي ثورة مستمرة يقودها جيل واع وصادق ومثقف حتى يبني سودانه الجديد الذي يتطلع إليه.
لو تحقق هذا الحلم الذي تكبحه عجلة العسكر والطامعين في السلطة والثروة وبدون وجه حق لتغيرت أشياء كثيرة ولولدت دولة قادرة ومقتدرة تجعل عودة الطيور المهاجرة ممكنه ليستفيد منها الوطن أولاً وأخيراً.
ولعله من الجدير بي وبكم أن نترحم على الشهداء الذين بذلوا أرواحهم فداء لبناء السودان الجديد “البنحلم بيهو يوماتي” وأنا على ثقة أن هذا الفجر سيولد رغم كل العقبات وأن المارد السوداني سينهض وسيحقق المعجزات على الصعيدين العربي والأفريقي كما سيكون له تأثيره الكبير في المحيط الدولي. وكما يقول الصينيون أن “رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة” وأن هذه الخطوة قد بدأها شعبنا الباسل والمناضل والمقاوم وليس أمامه سوى النصر مهما تكالبت عليه كلاب الظلام وحجافل المرتزقة وسيكون واحة خضراء تطعم أهلها وتطعم العديد من الأفواه في العالم … وأن ميلاد الصبح لقريب.

المزيد من المواضيع:
error: Alert: لاتنسخ !! شارك الرابط