استعصاء السودان وحيرة الوسطاء

 

الخرطوم ..ناس برس

 

ثمّة أسئلةٌ قد تجول في أذهان متابعي أزمة السودان الماثلة تحتاج لإبانة أبعادها، واستقصاء إجاباتٍ لها. تتفاقم الأزمة وتتعقد تداعياتها، والوسطاء والميسّرون يتقاطرون على الخرطوم من أطراف عديدة، أفارقة وعرب وغيرهم. بعضهم استدعاهم السودان بنفسه، وبعض أطراف عربية تبرّعت بالوساطة، وأخرى أفريقية تبرّعت بابداء اهتمام بالسودان، وهو يوشك، بعد ثورة أسقطت نظاماً استبدادياً عمره ثلاثون عاماً، أن يتداعى إلى انهيار وبؤس حال. ألّا يعود مصدر هذا الاهتمام إلى تميّز موقع السودان الاستراتيجي وسط القارّة السمراء، وعلى مقربة من الشرق الأوسط؟ أفلا يعود ذلك الاهتمام إلى غناه بالثروات والموارد الطبيعية في وسط القارّة الأفريقية، فيما هو يصنّف عند بعض الأطراف بلداً عربياً؟ أليس لالتباس هوية ذلك البلد ما يفسّر الفشل الذي أقعده سنوات طويلة، عاجزةً قياداته عن إدارة تنوّع سكانه وأعراقه وثقافاته، فانقسم قبل نحو عقد إلى دولتين؟
(2)
بعد القضاء على دولة الإمام المهدي في السودان، والتي استمرّتْ 15 سنة، حُكم السودان منذ 1899 بموجب اتفاقية عرفت باتفاقية الحكم الثنائي، تقاسمت فيها بريطانيا ومصر حكم البلاد. كانت لبريطانيا اليد الطولى في إدارة السودان، وبقيت مصر الشريك الأضعف. ومن دون أن ننشغل بتعقيدات الفترة الكولونيالية التي استمرت من 1899 وحتى نيل السودان استقلاله عام 1956، فإننا نرى حيرة الحكم الاستعماري ماثلة في إدارة تلك البلاد.
كتب نائب حاكم عام السودان، السير دوغلاس نيوبولد، في 1943، رسالة شخصية إلى صديقه الكولونيالي الكبير غلوب باشا (1897-1986)، وهو الجنرال البريطاني الذي قاد الفيلق العربي الأردني بين 1939 و1956، وردت فيها عبارة غاية في الأهمية، حملت تساؤلاً محيّراً. كتب السير نيوبولد: “لا أحد يعرف بوجه التحديد إذا كان السودان يعتبر من بين دول الشرق الأوسط أم لا”. وأفصحت العبارة عن عمق الحيرة التي كان عليها الحكم الاستعماري في السودان، وهو التباسٌ متصل بهوية ذلك البلد، وتوزّعها بين عروبة وأفريقانية، والتي، في تقدير كاتب هذه المقال، قد تفسّر بعض جوانب الصراعات الدائرة في ذلك البلد الأفريقي العربي.

المزيد من المواضيع:
error: Alert: لاتنسخ !! شارك الرابط