مقالات

د. عبد العظيم حسن المحامى يكتب .. كلمة السر

 

الخرطوم . ناس برس

دولة القانون

أثبتت شهور الانقلاب التسعة أن التأخير في ظهور  القيادة الموحدة وصاحبة الأغلبية الحقيقية هي السبب الرئيس للتمدد الزمني للبرهان وسطوته. فالانقلاب، وباعتراف قائده فاشل وزائل لكونه ليس إلا جرجرة على طريقة (يا مات الجمل يا مات الجمال). بعبارة مباشرة تمسك البرهان وحميدتي بالكراسي ليس إلا اختباء مكشوف للإفلات من العقاب. فبدلاً عن مواجهة المشكلة الأساسية، مناورات البرهان أودت به ووطنه فريسة للاستسلام الكامل للمحاور الإقليمية والدولية.
اجتماع كل هذه المصائب بجانب شبح الحروب والمجاعات لم تقابلها قوى الثورة بما تستحق من استعجال وحدتها. قوى الثورة لم تفتأ تجتر مرارات الانقسام والفرقة التي أجهضت كل ثوراتنا. الأكثر إيلاماً تحدي البرهان العلني للثوار ورهانه بعدم توافقهم على قيادة. مهما يكن من أمر، أزمة الثورة، وباختصار في النزاع والشقاق بين مكوناتها وتخوينهم لبعضهم البعض. لهذا السبب، يجب العودة غير المشروطة لأبجديات العمل العام وقواعده التي تحرم المحترفين السياسيين من استعجال النتائج قبل أوانها وإلا فسيعاقبوا بحرمانها. إعمال القاعدة يتطلب أن من يحكم الفترة الانتقالية ليست الأحزاب السياسية وإنما من تثق فيهم وتتوافق عليهم مع القوى الأخرى من الكفاءات الوطنية المهنية الثورية غير المنتمية حزبياً. نجاح الفترة الانتقالية يتتطلب ألا تتولى دفة قيادتها الأحزاب السياسية. فالأحزاب قانوناً لا تعتلي السلطة إلا عن استحقاق انتخابي حقيقي يعكس حجمها الطبيعي وقواعدها. الأحزاب السياسية بطبيعتها تتقاطع مصالحها وتسعى للاستفادة من كل موقف لإفشال بعضها، ولو على حساب الوحدة. إبعاد الأحزاب عن سيادة الفترة الانتقالية لا يعني تخوينها أو التقليل من قدرها أو حرمانها من المشاركة في رسم معالم الانتقال ورقابة الأداء. الأحزاب بحكم أنظمتها تمتلك الأرشيف وقواعد البيانات عن عضويتها وغيرها، لذا فالاحزاب خير من يراقب بعضها بعضاً، وحتى غيرها من أدعياء الثورة.
الكفاءات الوطنية الثورية غير المنتمية حزبياً، وخلافاً للأحزاب، لا طموح لها في السلطة ولا تملك مقوماتها منفردة، كما أنها، ودوماً مستعدة للعطاء والالتزام بالانسحاب عن المشهد السياسي بانتهاء مهامها. التجربة السودانية أثبتت أن المحزبين لا يتخلون عن السلطة ولا يسمحوا بتداولها سليماً بل يمكن أن يخونوها نكاية بالمنافس. وحدة قوى الثورة لا ولن تتحقق إلا بالتوافق على هدف كل مرحلة ورسم آليات التنفيذ. مباديء وقواعد العمل السياسي الراسخة تستلهم مبدأ “أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”. فالتدرج لوصول الغايات لم يعد مجرد وسيلة وإنما غاية وآلية بذات الوقت. فإذا كان إسقاط الانقلاب لا يتأتى إلا بوحدة كل القوى، فالوحدة واجب وهدف وآلية السقوط. كلمة السر للوحدة وتمام الانتقال في اختيار كفاءات وطنية ثورية غير منتمية حزبياً. شفرة السر ليست لتأجيج الصراع والمنافسة مع الأحزاب وإنما إحدى مطلوبات تحقيق الهدف وآليات التمام. على ذات المنوال طالما أن الأحزاب السياسية، في كل ثورة، تشاكست وظلت تكيد لبعضها البعض، وطال عداؤها حتى من هم خارجها، فإلزام الأحزاب بعدم الصراع المرحلي على السلطة الانتقالية يظل الهدف وآلية النجاح بلا خيارات أخرى.
د. عبد العظيم حسن
المحامي الخرطوم
14 يوليو 2022

اظهر المزيد

desk

موقع ناس برس، موقع اخباري ، يهتم باخبار السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى