السفير جمال محمد ابراهيم ..جنرالات السّودان وأكل الثور الأبيض.

 

الخرطوم . ناس برس

“أكلتُ  يومَ أُكلَ الثورُ الأبيض”. . !   ذلك  مثل  يُضرب للغفلة وعدم تبيّـن أجندة الآخر الطامع الذي يتربّص بك، فهل ستؤكل  ثورة  السودانيين ، وقد شـهد العالم عظمتها. . ؟
بعد محاولته  اليائسة  لتحييد  المشهد السياسي ، يطرح الجنرال البرهان مبادرة في الثاني من يوليو/تموز من عام 2021 ، وبعد اعتصامات السودانيين الاحتجاجية في 30 يونيو/حزيران 2022، بأن الجيش سينأى عن ذلك  المشهد السياسي تماما، لكن أعلن الجنرال أنه ومعه رفقاؤه  الجنرالات الأربعة، سيواصلون دورهم في إطار مجلس عسكريّ أعلى مختصٍّ بالأمن والدفاع. .  إن تذاكيه بعدم تسمية ذلك الكيان  “مجلس سيادي” فإن الشاهد أن الجنرالات سيبقون  مسيطرين على أي هياكل مدنية تشكلها القوى السياسية والمجتمعية  التي ستكلف بإكمال إدارة الفترة الانتقالية إلى حين قيام انتخابات قومية . ذلك يعني بصريح التوصيف  بأن لجنة الأمن والدفاع هي البدبل الموضوعي  للمجلس السيادي. ذلك من مكر الجنرالات ولن ينطلي  المكر على مجموع القوى السياسية التي تعارض انقلابهم.  ستؤول  لمحلسهم الأعلى للأمن والدفاع،   جميع صلاحيات  المجلس لسيادي. ولتعزيز  ذلك التوجه الماكر، سعى وقبيل  أن يتغيّر المشهد بغير ما يتمنّى ، قام بإعادة من أبعدتهم الثورة ممّن عملوا تحت إمرة نظام الطاغية البشير، إلى مواقعهم القديمة في القضاء وفي مؤسّسات الاقتصاد وفي الخدمة المدنية وكافة الوزارات.   لمواصلة ذلك المسعى،  قام الجنرال البرهان  وقبيل مبادرته الماكرة، بتعيين عددٍ من الجنرالات المتقاعدين  ليتولوا رئاسـة سـفارات السودان في دول الجوار.  هي محاولة رأها البعض  هدفتْ  لعسكرة الدبلوماسية السودانية ، مثلما  استبطنت تهديداً  لدول الجوار ،   فهل هي كذلك. . ؟
(2)
لنقف على أسلوب تعيين عسكرين  سـفراء  في  جهاز الدبلوماسية السودانية . ليس  ذلك تقليد ابتدعه الجنرال البرهان، بل هو من سلوكيات جميع النظم الإنقلابية التي  شـاعتْ في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط خلال حقبة الحرب البارة .  الملاحظ تاريخيا عن معظم الدول الأفريقية ، وخاصة تلك المجاورة للسودان ، أنّ  السياسيين الذي تولّوا قيادة حكومات معظم تلك البلدان  بعد الاستقلال،  لحقت بها اضطرابات وحالات من الفشل، دفعت بقادة جيوش تلك البلدان لتولي مهمة  تصحيح الخراب الذي أحدثه السياسيون المدنيون، وقد توّهّموا  أنهم قادرون.
إلى احتواء سلبيات  تلك الظاهرة،  تضمّن ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية ،  والتي تحوّل إسمها لاحقا إلى الاتحاد الأفريقي ، مادة في ميثاقها تجيز تجميد أيّ نظام ينشأ عن محاولات انقلابية من قبل الجيش  في تلك البلدان. والظن أن ذلك التجميد لم يكن فاعلا ، يؤكده ما نرصد من انقلابات عسكرية تتالت غي غرب القارة السمراء.   النظام السائد في السودان الآن هو نظام عسكري جاء غبر انقلاب،  يسيطر جنرالاته كأمر واقع، على إدارة الدولة في السودان.
وفيما تتفاقم الأزمة السياسية في البلاد  بين الشارع الغاضب والجنرالات المسيطرين، يطرح الجنرال البرهان مبادرة سحب الجيش عن الساحة السياسية. لكنها مبادرة ماكرة   ستخرج الجنرالات  بالباب ، لكنهم سيعودون بالشباك ، لمواصلة  السيطرة على أيّ نظام سياسي مدني سمح للقوى المدنية أن تنشؤه . ثمة شكوك أن الجنرالات   يناورون لتمييع  وحدة الشارع الثائر وإضعافه  قصد الاستمرار في حكم البلاد فعليا .  وفي إطار لتعزيز إمساكهم   بمفاصل الدولة،  شرع الجنرالات على إعادة تعيين من أبعدتهم  ثورة السودانيين قبل انقلاب الجنرالات  من تلك  المفاصل .  يرى مراقبون أن  تعيين   عدد من  جنرالات المتقاعدين سفراء ، يأتي  تنفيذاً   لخطة  السيطرة على علاقات السودان الخارجية  وإضعاف الكيان الدبلوماسي الذي لا يطمئن له الجنرالات. .
(3)
وكما سبق أن أشرنا، فإنّ ذلك تقليد  ظلتْ تتبعه الأنظمة العسكرية في أنحاء القارة الأفريقية،  بما يعكس عدم الثقة في ترك  إدارة الدبلوماسية  بيـد  مدنيين لا يوثق بهم ، وأكثرهم معارضون للسيطرة العسكرية  على أوضاع البلاد.  غير  أن مثل هذه التعيينات ، عادة ما تتم عبر اعتماد معايير موضوعية  ،  قصد ضمان  التأكد  من المقدرات التي يمكن أن  تعين مثل هؤلاء السفراء العسكريين،  على إدارة سفارات بلادهم في الخارج، وأن تعتمد من ناحية أخرى،  التقييم السياسي الحصيف  للعلاقات الثنائية مع ذلك البلد الذي يبتعث إليه  سفير من الجنرالات. إن كانت ثمّة نوايا خفية  لإعلان حرب، فما الحاجة للعلاقات الدبلوماسية  من أساسها؟
بعض البلدان التي عاشت واقع الانقلابات العسكرية في ذلك الإقليم   الذي يتوسطه  السودان، مثل مصر وسوريا  والعراق ، وبعض الدول الأفريقية المشابهة لحالة السودان مثل إثيوبيا ونيجيريا،  إتبعت أسلوب تعيين عسكريين متقاعدين ،  سفراء لإدارة علاقاتها الدبلوماسية ولكن بمعايير موضوعية  في أكثر الأحوال، ولا تترك للأمزجة الشخصية ، أو  لولاء اولئك العسكريين  قادة  تلكم الانقلابات.  ليس ذلك فحسب، بل أكثر الأنظمة العسكرية  تعمد لتحديد سقف لمثل تلك التعيينات  الدبلوماسية  من خارج المهنة  الدبلوماسية.  التقليد الدّولي الذي تتبعه معظم الدول الراشدة، أو ممّن رسختْ عندها الممارسة الدبلوماسية ، يضع سـقفاً  لتلك التعييينات من خارج السلك الدبلوماسي لتكون في حدود ما نسبته  10 % أو 15% على الأكثر، ولا يترك الأمر عالى عواهن الأمزجة  والتفاضل الشخصي  لقيادة الدولة.
(4)
للأسف  لم يجنح  جنرالات  السّودان،  كما هو واضح،  للتدارس الموضوعي  حول طبيعة  تلك التعيينات المستعجلة ، اسـتباقا لأيّ حكمٍ مدنيّ  قادم،  فهم استندوا في تعيين أولئك النفر من الجنرالات ،  إلى مواد من وثيقة دستورية عمدوا بأنفسهم إلى إحراقها تماماً بعد انقلابهم في أكنتوبر 2021،  ثم أشاروا  في أوامر التعيين أنها جاءتْ بتوصية من وزير الخارجية ، وليس  في السودان من وزراء أو مجلس وزراء أو وزير خارجية.  من يساعد الجنرالات   في إدارة الأمور في السودان خلال الأزمة الماثلة،  موظفون أدنى مستوى من الوزراء،  جرى تكليفـهم  مؤقتا  وبصلاحيات  محدودة  لأداء ما يليهم من مهام.  رأى بعض المراقبين  أنها محاولة أشبه بالمغامرة   لعسكرة الدبلوماسية  ، إذ ضمّت وزارة الخارجية السودانية أعدادا  من السّفراء والدبلوماسيين المهنيين ،  ممّن  عارضوا بجدية ذلك الإنقلاب الذي قاده الجنرالات  في أكتوبر من عام 2021 ، وهم لذلك  ليسوا أهل ثقة.  الجنرالات  يثق فيهم الانقلابيون.  .
(5)
الجانب الأكثر أهمية ، ويتصل  بأمر شكلي غير أنه مؤشر لاستخفاف  بمؤسسية.  لم يفارق  جنرالات السودان  النظم  والتقاليد الدبلوماسية ،  ليس  فقط  في تعيين من أ إدارىة الدولة رادوا من العسكريين  فذلك شأن داخلي ، أما ما جاء من وصف في أجهزة الإعلام،   أنه  تعيين   السفير الفلاني سفيرا في البلد المعين ، فذلك استخفاف بالدولة التي سيبتعث إليها ذلك السفير وتغول  على حق أصيل للدولة المستضيفة . السفراء يرشحون لرئاسة سفارات بلادهم في الدول الأجنبية ولا يعلن ذلك إلا  بعد إعلان الدولة التي  تستقبل ذلك السفير على موافقتها،  ولها فوق ذلك إن أرادت،  أن ترفض ، وذلك  تقليد رسخ لمئات السنين  .
أما الجانب الأكثر خطورة  من مهام  كلف بها السفراء الجنرالات السابقين   فيتصل بطبيعة  ما بدا أمام المتابعين  ومما أعلنه إعلام جنرالات السودان ، من كون أولئك السفراء العسكريون سيبتعثون دفعة واحدة وفي وقت واحد  إلى الدول المجاورة للسودان.  السودان الذي يحتل موقعاً جغرافيا يتوسط  بالتقريب،  قلب القارة السمراء  فهو يجاور إلى شماله  مصر، وإلى غربيه دولتي تشاد وأفريقيا الوسطى   وإلى جنوبه دولة جنوب السودان، وإلى شرقيه إريتريا وإثيوبيا.

(6)
ألا  يتبادرإلى أذهان المراقبين والمتابعين ،  أن  طبيعة  ترشيحات جنرالات عسكرييين  وتسكينهم  في وزارة الخارجية السودانية،  قد تعكس  من الهواجس  ما سيثير إنزعاج الدّول التي ستستقبل هؤلاء السفراء العسكريين. .؟ ألا  تثير تلك الخطوة   تساؤلاً   مشروعاً إنْ  كان  لجنرالات السودان الحاكمين الآن،  ما يضمرون من سياسات عدوانية   تجاه جيرانهم الأقربين، وفيما إن كانوا  عازمين  – بإقدامهم  على  اتخاذ  هذه الخطوات  غير المطمئنة –  على مقاتلة جيرانهم. . ؟
يعجب المرؤ إذ  يدرك أن للسودان علاقات رسختْ  مع شعوب تلك البلدان المجاورة ، رسوخا تعزّز بصلات الرّحم   وبالتصاهر  والتمازج، عبر قرونٍ  وليس عبر سنوات . إن إقليم  حزام السّودان  التاريخي القديم   والممتد من سواحل البحر الأحمر في الشرق،    والمتجه غرباً حتى  سواحل المحيط الأطلسي،  يضمّ  شعوبا   توحّدتْ اقتصادياتها وعاداتها وعقائدها وثقافاتها وأمزجتها،  بما يصعب على  الغريب  التمييز بين السّوداني والاثيوبي  والإريتري ، أو بين السّوداني والتشادي  والموريتاني والمغربي  والكاميروني.
لولا التنافس الاستعماري الكولونيالي في كافة مكونات  ذلك الإقليم ، لكانت شعوبه تعيش الآن تحت مسمّىً واحدٍ وعلم واحدٍ ونظامٍ سياسيٍّ واحد.  وعوض أن تعزّز هذه البلدان من التواصل الايجابي  فيما بين شعوبها، تجد بعض قيادات أنظمتها –  ومنهم  جنرالات لا يختلفون عن جنرالات السودان في شيء –  يجنحون  إلى ترجيح السلبي على الايجابي بإثارة  ما يفرّق لا ما يجمع، وما  يشعل الحروب لا ما يطفؤها.
(7)
إنّ السياسة الخارجية  في كلّ الدّول الرّاشدة،  تدار  عبر الجهاز الدّبلوماسي الرّاتب للدولة، يتولاه  متخصّصون  خبروا  دقائق المهنة  الدبلوماسية،  عبر تجريب صقلته الممارسات العملية  والدراسات السياسية المتقدمة، وذلك مما تستلزمه معالجة  التواصل بين الدول والشعوب  عبر أطر وأجهزة  دبلوماسية،    من  حصافة ومن حكمة ، إذ  الهدف  في آخر الأمر هو تحقيق الاستقرار  وصيانة السلم  والأمن وإشاعة الطمأنينة . ذلك هو التعارف الذي ورد في الآية الكريمة : {… وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. . {
للمؤسّسات العسكرية  تخصّصها  في الأمن وصيانة الاستقلال  وحفظ الهيبة والدفاع عن البلاد،  لكن ليس لها أن تحكم وتدير شئون البلاد  بما  ليس من مهامها الأساسية، وليس لها من تكليف  بإحكام التعارف بين الشعوب..  هذه  من الأمور البدهية ، فلا يحتاج العسكريون أن يتلقوا دروساً فيها.   ليس من تفسير واحد لتشبّثِ جنـرالات السّودان  بكراسي الحكم،  إلا  إنْ  كان لهم  تعلقٌ  مرضيّ  بالتسلّط على الناس ،  وكانت تجري في عروق بعضهم  جينات الطغيان،   فتملكتهم  غريزة استعباد الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحرارا . .
إنّ تمكين  الاسلامويين  السّو دانيين  وزمرهم،  في الجيش أو في الخدمة المدنية  بما فـيها الخدمة الدبلوماسية،  هو أسلوب قديم  إتبعه  الطاغية عمر البشير  وحزبه الحاكم،  بقصد السيطرة على مفاصل الدولة، وذلك ما  أبقاهُ  ثلاثين عاماً  في كرسي الحكم ، جاثماً على صدور السودانيين كلّ تلك الفترة  الطويلة.  لكنه  آخر الأمر، انهار حكمه ولفظه التاريخ ،  وهاهو حبيس قضبان سجنه في الخرطوم .  يعلم  جنرالات السّودان ما يعنيه التسلط والطغيان،  لكنهم  ساعون  لاختراع  نظام  طغيان  جديد مثل نظام البشير،  بل أشدّ ظلما وطغيانا.
(8).
يا ثوار السودان القاصدين الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام،  لا تغرّنكم مبادرات المكرِ من  جنرالات  طامعين،  وحتى لا تذهب ماء ثورتكم التي شهد بعظمتها العالم من حولكم ، تماسكوا حول شعاراتكم ، وإلّا ستؤكلون على حين غرّة،  بعدما  أكل الثور الأبيض في الأسطورة .

صحيفة العربي الجديد.

المزيد من المواضيع:
error: Alert: لاتنسخ !! شارك الرابط