السفير جمال محمد ابراهيم يكتب ..كيف تقرأ أماني الطويل انسحاب الجيش من المشهد السوداني؟

 

.الخرطوم ..ناس برس

أسمع من كثير من السّودانيين المتابعين لأحوال بلادهم،  وتجاذبات القوى السياسية في مشاهد حراكها ، ضيقهم من ميول الأقلام المصرية التي تتناول تشابكات السياسة الداخلية في السودان، بما لا يرضيهم ، بل يدفعهم للتشكّك في نوايا الإدارات المصرية في مختلف عهودها تجاه السودان.  يتحسس السودانيون ومنذ سنوات استقلال بلادهم، من  كون أقلامٍ تصدر عن مراكز مصرية، قد تقترب أو تبعد عن الحكومات المصرية، تتناول الشئؤون السودانية  في أكثر الأحوال، عبر منظار أمني محوره المصالح المصرية الخاصّة بالدرجة الأولى ، فتقع المصالح السودانية عندها  في الدرجة الأدنى. تتولّد من تلك الحساسيات ، هواجس تتصل بجنوح العيون المصرية لتنظر للعلاقات البلدين الشقيقينوالتي رسخت عبر  تاريخ عريق، عبر منظار الوصاية ، وليس منظار التعاون النديّ. طالعت مقالا في الاندبنت العربية نشر بتاريخ 7 يوليو/تموز 2022 للدكتورة أماني الطويل الخبيرة بالشئون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، تناولت فيه مبادرة البرهان بإعلانه نية الجيش الانسحاب من المشهد السياسي في السودان.
(2)
نشهد لقلم الدكتورة آماني الطويل ، بتخصصها الحصيف في الشأن السوداني وتناولها لقضاياه بدراية تحمد عليها.  كتبت في مقالها الذي أشرنا إليه أعلاه، تحليلا حول خطاب الجنرال البرهان عن نية الجيش إنسحابه لصالح القوى المدنية ، وهو الإعلان الذي  أربك كامل  المشهد السياسي. ونوهتْ الدكتورة أماني إلى أن تلك المبادرة ستعرّي القوى السياسية- وذلك هو تعبيرها – بما يوحي بأن ليس  للمدنيين من قدرة  على تولّي إدارة البلاد. أعجب أن لا ترى  الدكتورة آماني الطويل ألوف السودانيين يزرعون شوارع المدن السودانية باحتجاجاتهم وتظاهراتهم ولأشر طوال، مطالبين بحكم لا يتولاه عسكريون . كيف  يغيب عن بصرها مكر الجنرالات وقد أمسكوا برئيس الوزراء المدني في 25 أكتوبر /تموز من العام الماضي، فادّعوا أنه في ضيافتهم  لتناول الغداء في مقارهم ، فيما هو لا يملك  أن يستعمل هاتفه الجوّال، أو ان  يلتقي بمن يريد من مواطنيه. ثم قلبوا بقوة السلاح والقهر  ظهر المجن  لكامل إدارة الفترة الانتقالية، وتعامل جهاز أمنهم بغلظة  مع وزراء الفترة الانتقالية، وزُجّ ببعضهم  في السجون وكأنهم سرّاقون مجرمون.
(3)
ترسم الدكتورة أماني الطويل سيناريو وفق رؤيتها للشأن السوداني، كون الاقتصاد ومعاش الناس يجب أن يلقى أولوية في المرحلىة المقبلة . في ذات الوقت ترى الطويل في تحليلها أن  الجنرال البرهان بمبادرته، سيعفى نفسه من مسئولية ذلك التدهور الاقتصادي وكافة المتاعب الاقتصادية والمعيشية التي تفاقمت إبان الحكومتين المدنيتين اللتين ترأسهما رئيس الوزراء المبعد  أولا، ثم المستقيل لاحقاً، السيد حمدوك.   الإنقلاب الذي قام به الجنرالات في 25 أكتوبر 2021 يلقي باللائمة إلى جملة القوى السياسية التي  ترك لها مسئولية تكوين هياكل ادارة الفترة الانتقالية وفشلت في انجازها. وتتواصل قناعة الجنرالات في رهانهم على فشل  القوى السياسية التقليدية مجدداً، حتى وإن تحالفتْ مع قوى المقاومة الشبابية. أجد العذر في عجز الدكتورة الطويل المقيمة في القاهرة عن تقييمها الموضوعي لقوى الشباب المنضوين تحت رايات  قوى المقاومة ، وهم الأكثرية الضاربة في شوارع المدن السودانية وليست شوارع الخرطوم فحسب ، وتجد متوسط أعمارها بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين . ذلك الشباب الثائر في تقدير كل الذين شاهدهم المتابعون في شاشات الفضائيات، قد أثبتوا أنهم القوة السلمية الضاربة في شوارع المدن السودانية، وهم الذين أجبروا الجنرالات على الاقتناع بعدم جدوى انقلابهم العسكري على مدنية الثورة، فاضطروا للمناورة بمبادرات مثل مبادرة الخروج المخادعمن المشهد السياسي، فيما هم قابضون على مفاصل الحكم. .
(4)
في الحديث عما يسمّى “المكوّن العسكري” ، ثمّة التباس  يتعلق بمصطلح “المكون العسكري”، إذ  أن قوانين ولوائح القوات المسلحة في أيّ بلد لا تسمح بإنشاء تكويناتٍ مهنيةٍ أو سياسية ، فما هو أصل تعبير المكوّن العسكري. .؟ لا يشير المصطلح لأيّ تنظيمٍ مثل تنظيمات الضباط الأحرار الذين يعدّون خفية للإستيلاء على السلطة، شيئاً درجنا على  متابعته في كتب التاريخ منذ انقلاب حسني الزعيم في سوريا، أربعينات القرن الماضي. غير أن المكون العسكري الذي مثله أولئك الجنرالات الممسكين بقياد السلطة في السودان، هم في الأصل قيادات عسكرية ممعنة في الولاء لنظام الإنقاذ الذي قاده الطاغيىة البشير من عام 1989 وحتى عام 2019، ثم انحازوا لثورة الشباب بعد تخليهم عن البشير ونظامه في أبريل/نيسان من عام 2019 .  لم يكن هنالك انقلاب عسكري أسقط البشير ، بل فئة من الضباط الكبير أقنعوا رئيس النظام بالتخلي لصالح الثوار الشباب الذين طالبوا يإسقاط نظام الانقاذ وإحداث تغيير  ثوري، يعدّ لوضع سياسي جديد في السودان. عليه فإن مصطلح المكوّن العسكري لن يكون دقيقاً هنا، إذ لا صلة له بالقوات المسلحة السودانية ، أو بالجيش السوداني كمؤسسة  عسكرية ذات هوية وأهداف ومهام محددة.
أليس منطقيا أن يُثار سؤال حول  مدلولات إعلان جنرالات الخرطوم انسحاب الجيش من المشهد السياسي في السّودان. . ؟ ليت الدكتورة أماني  تلقي ضوءاً على ذلك. .
(5)
في تحليلها تمضي  الأستاذة الطويل لتقييم دور الحزب الشيوعي ، دون بقية أحزاب اليسار في الساحة، وفات عليها أن ترى أنه – برغم صوته الجهور- حزب لازال متواضع العضوية في أوساط السودانيين ، وقد لاحظ كثيرون  أنّ الشيوخ في قيادته طغوا على الشباب.  تتصور الطويل أن يكون للجان المقاومة دور في ترشيد أداء الحزب الشيوعي بما يشبه إقناع ذلك الحزب للتوافق السياسي حول برنامج شامل  مع بقية القوى السياسية، سيعطي ما أسمته : “طوق النجاة للسودان وللإقليم معا”. ذلك تصور لتحالف  غير واقعي، فلا قوى المقاومة  تملك خبرات قيادية ، ولا الحزب الشيوعي يملك تلك الإمكانيات لإحداث ذلك التأثير الكبير على السودان والإقليم ، كما تزعم الخبيرة بالشأن السوداني الدكتورة الطويل.
وإن لم تتناول بالتحليل خيار الانتخابات القادمة في السودان في  ختام الفترة الانتقالية ، فإن الدكتورة الطويل تراهن أن يكسب الإسلاميون – وفق  تسميتهم عندها ، فيما يسميهم معظم الثوار السودانيين: “الإسلامويين”- الانتخابات القادمة .  لا يقف تحليل الدكتورة الطويل على هذا الاستنتاج المستعجل ، فإنها تمضي في توقعاتها المفرطة  في الخيال، أن يكون الجنرال البرهان  هو الأقرب ليكون رمزاً لقيادة جديدة يطرحها الإسلامويين، حال فشل القوى السياسية المدنية في إدارة فترة الانتقال، حسب زعمها. ولا أدري كيف يرى تحليلها فشل المدنيين الذريع في إدارة الفترة الانتقالية بما  يتيح للجنرالات استمرار الامساك بالسلطة حتى الانتخابات القومية والشارع السوداني في فورانه . ؟  وتقول الدكتورة الطويل إنه قياساً على إمهال التجميد  الذي حظيت به من طرف الاتحاد الأفريقي، دولتان أفريقيتان وقع فيهما انقلابان عسكريان ، فإنّها تتوقع أن يجد حكم الجنرالات في السودان معاملة مماثلة ، ولربما تلين بعد ذلك أطراف المجتمع الدولي ومؤسساته  في تعاملها مع  نظام الجنرالات ذاك.
(6)
وبرغم أن ذلك تحليلٌ قد لا يبتعد كثيراً من التوقّع ، إلا أن الصوت  الصادر من الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في الإدانة الصريحة التي صدرت عن الأجهزة التشريعية بغرفتيها لانقلاب الجنرالات في السودان، يعكس كامل الجدية في عدم الرغبة الأمريكية في التعامل مع  الانقلابيين.  ذلك مؤشر حقيقي على احتمال تواصل فرض العزلة  على حكم جنرالات السودان. لكن يظل رهان السودانيين على تماسك مطالبهم بمدنية إدارة الفترة الانتقالية، وبتحقيق شعاراتها في الحرية والعدالة والسلام،  وبسلمية إرادة شبابها الذي لم ينكسر للإنقلابيين برغم العنف المفرط والتعذيب والقتل والاعتقالات العشوائية . نلاحظ بعين المتابعة ، كيف أنَّ التدخّلات ، الإيجابي منها والسلبي، العربي أوالأفريقي  أوالدّولي ، لم تفلح جميعها  في احتواء  حماس الثوار السودانيين، ولا لانتْ عزائمهم طيلة ما تجاوز الأشهر التسعة ، وما انكسرت إرادتهم ولا وهنت  قدراتهم على الاحتجاج السلمي ضد جنرالات الإنقلاب  في السودان. .
لعلّ أصدق عبارات التحليل الذي جاء من الدكتورة  أماني الطويل، قولها أن نذر الحرب الأهلية وشيكة ، وأن السلاح منتشر بما ينبي عن كوارث مقبلة . ذلك بالطبع مما طفح على السطح في الصراع الدموي في منطقة النيل الأزرق على أنها لم تربط ذلك التدهور المريع في التعايش الاجتماعي الذي ساد منذ عقود طويلة ، ثم لم  يتصدر المشهد السوداني إلا بعد وقوع انقلاب الجنرالات . .
(7)
لربّما ثمّة كلمة ينبغي أن تقال  بشأن  ما قرأته من وراء سطور ما كتبت الدكتورة أماني الطويل . إذ كم تمنّى قلمي أن لا يشتمّ وراء تلك السطور ما يعيد للذاكرة تلميحات النظر الأمني  من العيون المصرية للشأن السوداني ، وكأنّ ذلك الشأن- مع كامل التقدير لما بين الشعبين من علائق- هو ممّا يقع في هوامش ما يكتب على متون مصرية.  ولعلّي أمضي إلى أكثر من ذلك فأزعم أن  ما يرشح من بعض الأقلام المصرية- ولا أعني كتابات الدكتورة أماني الطويل-  يتصوّر من يقرأه أنه يستبطن أفكاراً رغبوية تريد للسودان  أن لا تخرج  نظم الحكم فيه ، أيّاًّ كان شكلها ، عن ذلك الأنموذج الشائع في حكم مصر على  مدى تاريخها البعيد والقريب.  ولعلّ رسوخ الأجهزة الأمنية في تولّي معالجة الشئون السودانية ، دون وزارة الخارجية، يعكس  تلك النظرة الضيزى التي تميل لترجيح المصالح المصرية على الدوام على المصالح السّودانية ، مما يحيلنا لتساؤل شرعي نرفعه لاهتمام  الدكتورة الطويل عن متى يحال ملف السودان ليعالج في خارجية مصر لا في أجهزة أخرى . . ؟

المزيد من المواضيع:
error: Alert: لاتنسخ !! شارك الرابط