عبد الحفيظ مريود ..يكتب ..راستات

. بدون زعل

 

الخرطوم ..ناس برس

 

الروايات المتضافرة تقول إنه فى إنتفاضة أبريل ١٩٨٥م، وبينما كانت المظاهرة تتقدم باتجاه سجن أمدرمان، لاحظ بعضهم أن من يتأبط أوراقه، ذاك، هو الشاعر محى الدين فارس، أستاذ الثانوى. أشار إليه، فحمله المتظاهرون على الأكتاف. أشار إليهم “إلى الإذاعة”، فانحرف الموكب، سالكا شارع الإذاعة، والإذاعة مرتبطة، تأريخيا، فى أذهان الناس بالتغيير السياسى، إنقلابا، أو غير إنقلاب .
شايف كيف؟
حين وصلت المظاهرة أسوار الإذاعة، أو دنت منها، هتف الشاعر الكبير محى الدين فارس، موجها هتافه إلى من بالداخل “يسقط الكلاسيكيون”.. تلفت المتظاهرون، أنزلوا الشاعر الكبير عن أكتافهم، وانصرفوا إلى “موضوعهم” الرئيس، الذى من أجله خرجوا.
شايف؟
بدأ لى أن ثورة ديسمبر وجدت الكثير من محى الدين فارس، منذ بدأت. ثمة دائما شخص ما، يتم إنزاله “برااااحة كدا”، عن الأعناق والأكتاف، بسبب هتافه الشخصى، وتصفية حساباته مع جهة ما.. حتى ولو لم يهتف ب “يسقط الكلاسيكيون”.. حرفيا، ولكنه يكون قد قال ما يشير إلى فجوة بين خطابه، هتافه، وما يريده الشارع. فالجماهير تريد لحنا ترقص على أنغامه.
تتسع الفجوة بين خطاب عمر الدقير، لغته وبين ما يطلبه الجمهور.

يحدث ذلك مع مريم الصادق، ود الفكى، فى باشدار وغيرهم. مثل أن تعزف “زاد الشجون” فى حفل تخريج لطلاب جامعة الرباط، أو جامعة التقانة.. حتى أن أشخاصا رصينين مثل الشفيع خضر، يبدو مثل بيتهوفن، عديييل كدا.
ومنذ “بدعة القيادة الأفقية” لتجمع المهنيين، بدا أن ثمة خيطا مفقودا سيقود الدرب إلى الماء. ذلك أنه – تأريخيا – لم يثبت أن هناك جماهير تقود نفسها. يتطلب الوضع، دائما، قائدا ملهما يستطيع أن يفجر طاقات الجماهير ويقودها إلى النور.

وحين جربت الجماهير إسلام قيادها إلى “قوى إعلان الحرية والتغيير”، وجدت أن القوى تهتف بشعار “يسقط الكلاسيكيون”، دون أن تعرف بالضبط “احتياجات الشباب الذين هم فى الشارع”. فقعدت تطبق الشعار، حتى سقطت هى ذاتها، بضربة ركنية نفذها فى ٢٥ أكتوبر ” الموزيون”..(نسبة إلى موزمبيق، وليس موز إعتصام القيادة – توضيح مهم ، طبعا).
شايف كيف؟
الخبر الذى فرح له “الديسمبريون”، مؤخرا، هو بدايات “توحيد قوى الثورة”، لإسقاط الانقلاب. هناك من يقول – وسط هؤلاء – ب”إنهاء الإنقلاب”، وهو الذى سيسود، أغلب الظن، نسبة إلى “معقوليته” السياسية. ستواجه قوى الثورة الحية المتحدة، ذات فخ القيادة الأفقية لتجمع المهنيين. فالقضية ليست فى “الوحدة”، وإنما فى الأهداف ووسائل الوصول إليها. وهو ما لا يمكن تحقيقه – فى الحالة السودانية عموما – إلا فى ظل “قيادة رجل واحد”.

.. فالتاريخ الاجتماعى يعتمد كلمة الرجل الواحد ” ناظر، مك، ملك، سلطان..الخ”، والدينى يعتمد “الشيخ”، حتى الوهابية أهل القطيعة البائنة مع الصوفية “عندهم شيخ” . سياسيا هناك “زعيم” يقود الحزب، يصنع أمجاده، تلتف حوله العناصر..
الإختلافات تفرزها الغيبة الفعلية للكلمة العليا.. ليس ثمة رسالة إلهية نزلت على “جماعة”، بل تنزل على شخص بمواصفات محددة ليتولى مهمة إبلاغها وتنفيذها، وقيادة “الجماهير – الأمة – الأمم”. يشكل “أهل الكهف” استثناء، إذا وضعوا موضع المقارنة، كونهم ألهموا خطأ إعتقادات وممارسات مجتمعهم، و “صوابية” الموقف الذى تبنوه. ذلك أنهم لم يؤمروا بالتبليغ، ولا تكليف إلا ما يخصهم.
شايف كيف؟
أنتج الفكر السياسى الشيعى، فى فترة ما، مقولة “ولاية الأمة على نفسها”، فى مقابل نظرية “ولاية الفقيه”، التى أنتجها وطبقها الإمام الخمينى…. فى واحدة من تقلباته، طرح حسن الترابى نظرية “الاجتهاد الجماعى”، لكنها مثل “ولاية الأمة على نفسها” لم تصمد طويلا. وذلك لأن “القيادة” فعل فردى، لا جماهيرى، قولا واحدا.. حتى الفقهاء والباحثين الدينيين حين يقولون “جمهور العلماء” فإنهم إنما يحيلونك إلى مجهول، مجرد طلس آخر..
تنتج الأمم والشعوب قياداتها، أو لنقل، تبرز القيادات فى الأوقات الحاسمة من عمر الشعوب والأمم لتقودها. وحين لا تتوفر شروط إنتاج شعب ما، مجتمع ما، ل”هذا القائد الملهم”، يكون الشعب والمجتمع مثل “الدبيب أب راسا مقطوع”، لا يعض، ولا يعرف أين يتجه، ولا كيف يسير.
رعاة الإبل يعرفون أن هناك جملا يسمى “القايد” هو من يتولى قيادة القطيع. أسراب الطيور تتبع قائدا، الحيوانات “الاجتماعية” تتبع قائدا… والإنسان ليس بدعة.
شايف كيف؟
ستتوحد قوى الثورة، الشباب، سينزلون أستاذا مثقفا يهتف من على أعناقهم “يسقط الكلاسيكيون”، ويرفعون آخر، إلى أن يأتى من يخاطبهم بلغتهم التى يفهمونها، يعيد صياغة أجندتهم، ينتج مقولات جديدة، يعقلن “ثورتهم”…فالثورة لا تستمر ثورة إلى الأبد، تحتاج من يعقلنها ويحولها إلى “فعل منتج”.. وإلا فستكون طاقات مهدرة.. مقاتلة خرقاء لطواحين الهواء.. شباب “تغرر بهم الريح”، كما يقول طاهر بنجلون، الروائى الشهير.. أو يغرر بهم أمثال جعفر حسن، بتاع السفارات، الذى يظن – لخور عقله – أن حزبه سيهزم الإتحادي الأصل، فى الانتخابات القادمة، لأنه البديل… وهو – جعفر سفارات – لو قدر له أن يخاطب حولية السيدة الشريفة ب”سنكات”، لهتف للحشود الوقورة “يسقط الكلاسيكيون”..
قال عاطف خيرى :
تشبهى فى الخيول الدايرة
وما لاقية اليسوق،
يا بلادي.

*ملحوظة :
الصورة تقول يسقط الإعلام الكلاسيكى، وأنا أثنى، طبعا.

الكاتب عبد الحفيظ مريود

المزيد من المواضيع:
error: Alert: لاتنسخ !! شارك الرابط