د.عبد العظيم حسن يكتب ..الحجر الأسود

 

دولة القانون

الخرطوم ..ناس برس

الحجر المعلق على جدار الكعبة والمشهور بالأسود مجرد حجر لا ينفع ولا يضر. أهم حادثة سياسية ارتبطت بهذا الحجر أن قبائل مكة كادت أن تقتتل في تعليقه بحجة مواجهته لنيل شرف بداية الطواف من محاذاته. حسماً لهذا النزاع استلهم النبي عليه الصلاة والسلام فكرة المائدة المستديرة مقنعاً كل قبيلة أن تأخذ بطرف ليتم تعليقه برضاء الكل وهم ممسكين به. مهما تعقدت المشكلات ومهما تدنى أو ارتفع مستوى الوعي بين المتشاكسين فإن في تفاوض المدنيين على مائدة مستديرة بداية لحل الأزمات مهما تفاقمت. لكون المائدة مستديرة فللجميع موضع متساوى بلا فرق لرئيس على مرؤوس

. بالطبع، الجلوس الشكلي وحده لن يثمر إلا إذا صاحبته قناعة راسخة في أن ما لا يأتي بالحسنى لن يأتي بالقوة أو الحيلة أو الصوت الأجوف. بعبارة أخرى، متى أضمر أطراف أي تفاوض سوء النية أو استعجلوا النتائج فلن يبلغوا مقاصدهم العليا.
واهم من يعتقد أن العسكر سيتنازلون ويوقعون تسوية سياسية تخرجهم من المشهد. في واقع الأمر، العسكر كانوا وما زالوا وسيظلوا يناورون ويلعبون على الحلقة الأضعف وهي عدم اتفاق النخب المدنية وصراعها على السلطة وليس الخروج بالوطن من أزمته المتفاقمة.

فالعسكر، ولمدة عام كامل، عمدوا على تمزيق المدنيين حتى ضمنوا شقاقهم العميق. خطة العسكر التعجيزية للتخلي عن السلطة ستكون اشتراطهم على المدنيين تسمية قياداتهم التي يجب ألا تقصي أحداً. ولأن القوى المدنية أصبحت لحم رأس، فستدخل في صراع الأسماء لتعود بعده خائبة.
إن مما لا جدال حوله أن صلح الحديبية يعد أحد أبرز الدروس التاريخية لكيفية حسابات الربح والخسارة في العمل السياسي. ففي الظاهر توهّم الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوقع عليهم شروطأً مجحفة غير أنه عليه السلام كان يدرك ألا مصلحة في إراقة الدماء طالما سيحقق الفتح وتستقر الأمور بالحسنى. عند دخول أي معركة أو نزاع قضائي أو حتى منافسة رياضية، لابد من حساب النهاية التي تُبكي الخاسر وتُفرح الرابح. السياسة، ببساطة، غايتها تحصيل الممكن وخسائرها حتمية طالما لم نتحسب لها مكررين نفس أخطاء عدم التنظيم والتوافق على القيادة وفي غياب الخطة المدروسة.

المزيد من المواضيع:
error: Alert: لاتنسخ !! شارك الرابط