د.عبد العظيم حسن المحامى ..يكتب ..المحكمة العليا ( ١)

 

دولة القانون

 

الخرطوم..ناس برس

تعتبر المحكمة الأعلى في أي نظام قانوني الضمانة الحقيقية للحريات والحقوق الأساسية. فأحكام المحكمة العليا تنعكس بصورة مباشرة على الاستثمار المحلي والاجنبي، وقبل ذلك استقرار المعاملات من بيع، شراء، إجارة، تعويضات، زواج، نفقة، طلاق، ميراث ونحوها من مسائل الحياة اليومية التي يرتبط بها أي مجتمع.

مراعاة المحكمة العليا للقانون والتزامها به تطبيقاً وتأويلاً وتفسيراً هو الذي يحقق الرفاهية والنمو السياسي والاقتصادي والاجتماعي. تبدل الرأي وتعارض الأحكام بدوائر المحكمة العليا يعتبر واحد من أسوأ نماذج القضاء بالذات في الدول التي تنص تشريعاتها على واجب المحاكم الأدنى إتباع التفسير الصادر عن المحاكم الأعلى أو ما يعرف بإلزامية السوابق القضائية.
السودان واحد من أعرق الدول التي تبنت وطبقت نظام السوابق القضائية ضمن حزمة التشريعات والقواعد التي فرضها المستعمر الإنجليزي. بعد الانتقال لأول سلطة تشريعية وقضائية وطنية ظل عمل المحاكم وما زال يتبنى السوابق القضائية كأحد مصادر التشريع التي يجب أن يلتزمها القاضي عند غياب النص.

على الرغم من أن نظام السوابق لا ينطبق في حال وجود النص الذي يحكم المسالة المعروضة إلا أن اهمية السابقة تظل جوهرية وذلك للالتزام بتفسير النص الذي قد يكون غامضاً أو كانت المحكمة الأعلى فسرته بأكثر من وجه.

منذ العام 1983 وتحت ذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية قللت السلطة التشريعية من أهمية السوابق الأمر الذي أدى لإهمالها بواسطة القضاة. هذا الواقع زامنه صعوبة في الوصول للأحكام والتدابير الصادرة عن المحكمة العليا وبالأحرى محكمة الاستئناف. بعبارة أخرى، حتى السلطة القضائية وبدلاً من أن تكون وسيلة الحل باتت جزء من الأزمة القانونية.
تاريخياً كان الحصول على السوابق القضائية للالتزام بها تنظمه مجلة الأحكام القضائية السودانية والتي بدأ صدورها تحت مسمى مجلة الاحكام القضائية وذلك بكلية القانون جامعة الخرطوم ثم انتقلت للسلطة القضائية. ولما لهذه المجلة من أهمية فقد كان لتحريرها مجلس برئاسة رئيس القضاء وعضوية وزير العدل والنائب العام ونقيب المحامين بالإضافة لعميد كلية القانون جامعة الخرطوم.

حتى منتصف الثمانينيات كان لمجلة الأحكام القضائية أعراف وتقاليد لكونها المرجع الأساس ليس على مستوى كتابة الأحكام وإنما البحوث القانونية المعتمدة من الجامعات الوطنية والأجنبية. المكتب الفني للمحكمة العليا ومنذ بداية التسعينات تخلى عن التقاليد التي سارت عليها مجلة الأحكام القضائية السودانية. كانت النتيجة الطبيعية أن تضاربت أحكام القضاء وعمت الفوضى وبات لكل حالة أكثر من رأي بوجه أشبه للأهواء منها لأحكام القضاء التي لا يجوز، باي حال، أن تختلف وتتعارض عند نظر ذات الوقائع.

في المقال القادم سنتعرض لاتجاه المكتب الفني ونيته نشر حكم يخالف القانون مجسداً حالة من أخطر الأحكام المتعلقة باستقرار المعاملات. بصورة أكثر وضوحاً، سنناقش حكماً تصدى لمسالة جواز تدخل المحكمة المدنية في وقف الشيك.

المزيد من المواضيع:
error: Alert: لاتنسخ !! شارك الرابط