مقالات

السفير جمال محمد ابراهيم ..يكتب .. كنداكة سودانية وتحتمس مصري

 

الخرطوم ..ناس برس

 

(1
في مجالات الثقافة والفنون والآداب بين شعبي وادي النيل ما لا يحصى أو

يُرصد، كمّاً وكيفاً، من تواصلٍ وتعاون، يُشعرك أنك ترى بلداً واحدا لا بلدين، وشعباً واحداً لا شعبين، وأنا لا أتحدّث هنا عن التاريخ، بل عن التواصل الثقافي والاجتماعي الحميـم. تلـك مجالاتٌ يُبصرها السودانيون والمصريون معاً، بالقلب قبل العين، وبتلاقي الأرواح قبل تلاقي الأجسام.

حين أنجز الزعيم الراحل، جمال عبد الناصر، أول وحدة بين دولتين عربيتين، جاء تعليق فريد من كاتب وأديـب كان ملء البصر في ستينات القرن الماضي، وقد قضى سنوات من صباه في الخرطوم بحري، ثالث المدن الثلاث التي تكوّن الخرطوم الكبرى ويسميها السودانيون العاصمة المثلثة، وهـو لويس عوض، كان تعليـقه عن الجمهورية العربية المتحدة تساؤلاً بريئاً: أما كان الأجدر والأنسب أن يكون ذلك الاتحاد بين مصر ودولة السودان؟

وقتها كان السودان قد قدّم لمصر بادرةً نكران ذاتٍ لها ما لها من أبعادٍ حضارية. لقد ضحى السودان بمدينـة كاملة اسمها “حلفا” حوتْ آثار حضارته وغمرها النيل من أجل مشروع مصر الحضاري المتمثل في بناء السّد العالي، أوائل ستينات القرن العشرين. … ولم يأت سؤال لويس عوض من لسانه وقلمه وحده، بل ومن ألسنة كثيرين وأقلامهم في مصـر وفي السّودان.

(2)

ثم تجدني أستعجب من كاتبٍ له من الصيت ومن الكتابات المتنوعة ومن الشمول العبقري ما فاق صيت لويس عوض ومن كتاباته، فشغلت ساحات الأدب العربية. ذلكم هو صاحب “العبقريات” عباس محمود العقاد. تنوّعت كتاباته شرقا وغربا، تاريخاً قديماً وتاريخاً معاصرا، فكتب عن غاندي وعن محمد علي جناح، كما كتب عن أبي نواس وأبي العلاء، وكتب الشعر وله من دواوين الشعر عددا. … الطريف أنه كتب يهاجم النازي هتلر في سنواتٍ كادت فيها جيوشه على وشك التوغّل إلى مصر، فقرّر العقاد أن يلوذ بالخرطوم، حرصا على سلامته الشخصية، غير أن السودانيين، مفكّريهم وشعرائهم وسياسييهم، لم يقصّروا في الاحتفاء بالمفكّر المصري الكبير. مصدر عجبي أنه هنا، وقد تجاوزتْ مؤلفاته السـبعيـن كتابا، لكنه لم يرَ في الثورة المهدية في السـودان ما يحفـّزه للكتـابة عـنها بموضـوعية، وهي ثورة وطـنـية شهد لها مؤرّخّون عديدون، برغم ما أحاط بها من ظروف سياسية ضاغطـة، فقد حققت للسّــودان أول تجربة لناسه في حكم أنفسهم، خلال فترة امتدّت 15 عاما أواخر القرن العشرين.

لكننا نجد العقاد يسمّي تلك الثورة الأولى التي يعتزّ بها السودانيون ثورة “الدّراويش”، وهو بذلك يعـتمـد تعبيرا حمل جوانب سلبية، فضّله المسـتعمرُ البريطاني للإشارة إلى الثورة المهدية في السودان، في آخر عقدين من القرن التاسع عشر، وقد شهد بعضها العقاد صبيا.

(3)ْ

أعـود بك إلى قصة بناء السّد العالي. لقـد تداعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، بأموالها وبالباحثيـن والعلماء المتخصّصين في التاريخ، من أجل ما أسموها “حملة إنقاذ آثـار النوبة”، في إشارة حقّة إلى إنقاذ عـددٍ مهولٍ من الآثار الفرعونية والمسيحية القديمة في تلك المناطق السودانية المتاخـمة للحدود المصرية، بما فيها مدينـة وادي حلفـا، التي غمـرتها مياه السّـد العـالــي تماما. شاركتْ الحكومة المصرية وفق اتفاق سياسي وفنّي بين البلدين، في إجراءات التعويض للسودان، غير أن الأمر عند القاهرة لم يزد عن ذلك.

يعجب السودانيون، إذ لا يسمعون عن أيّ عالم آثار مصري، يشـارك في التنقيـب المتواصل عن آثار السودان في العقـود الأخيرة

إنك تنظر إلى الجهود العلمية التي قام بها علماء السودان، وتضافرت جهود الهيئات العلمية من “اليونسكو”، ومن علماء عديدين من مختلف أنحاء العالم، مع جهـودهم لإنقـاذ الآثار في المناطق التي غمرتها مياه السـد العالي وما حولها. لكنك لا تسمع عن مساهمات علماء مصـر المتخصّصين في الآثار في تلك الجهود. تداعى علماء الآثار والأكاديميين من مختلف أنحاء العالم، ونشطت فرقهم في التنقيب عن الآثار في مناطق شمال السودان، فيعجب السودانيون، إذ لا يسمعون عن أيّ عالم آثار مصري، يشـارك في التنقيب المتواصل عن آثار السودان في العقـود الأخيرة.

خلال مهامي الدبلوماسية في لندن قبل عقدين، سعتْ سفارة السّودان إلى معالجة آثار السودان في المتاحف البريطانية لتحظى باستقلالٍ مستحقّ عن الآثار المصرية، وذلـك بعد تلقي السـفارة تنبيهاتٍ من إدارة الآثار في الخرطـوم، أن يكون لآثار السـودان استقلالها المنطقي عن قسم “المصريات”، الذي ظلّ يشتمل على كثير من آثار الفراعنة من الجانب السوداني. ولقد جرى ذلـك بعد جهد جاد وتفهّـم من الجانب البريطاني. كـنّا نحسّ في لندن بعدم ارتياح من السّــفارة المصرية في لندن، من تلـك الجهود السـودانية الساعية إلى استقلال كينونة آثار السودان عن قسم “المصريات” في المتحف البريطاني، وقد تمّ ذلك من دون إثارة أيّ حساسيات مع الآثارييـن في مصر.

(4)

أدّت الشيخة موزا بنت ناصر، والدة أمير دولة قطر، زيارة شخصية للسودان، وقد أدهشها ثراء الآثار السودانية في شمال البلاد، وسمعتْ وأبصرتْ ما شـدَّ انتباهـها عن عظـمة تلـك الآثـار وذلك التاريخ الذي لا يعرف كثيرون في القارّة الأفريقية وفي الشرق الأوسط إلا القليل عنه. تحمّسَت الشيخة الجليلة لقصّـة إحدى ملكات التاريخ السوداني القــديم في دولة تاريخية قديمة اسمها “كوش” وملكتها “الكنداكة”، وهي امرأةٌ ذات سـطوة وقوة. ومِـن عظـيم اعتداد الفتيات السودانيات، حين تقدّمن الصفوف الأولى للثورة السودانية التي أسقطت نظام “الإنقاذ” الإسلاموي عام 2019، أنهن اعتمدن وصفاً لهنّ بالكنداكات في مجابهة النظام الذي عمل على طمر جوانب عميقة من تاريخ السودان القديم، وكأنّ الإسلام دخل السودان مع انقلابهم المشؤوم في يونيو/ حزيران من عام 1989.

(5)

من اعتزاز الشيخة موزا بالتاريخ الذي رأته شامخا بعينيها أنها تبنّتْ مبادرة لإعداد شريطٍ سينمائي عن ملـكة حكمت وادي النيل قبل خمسة قـرون قبل الميـلاد اسمها “الكنداكة”، ملكة دولة “كوش” النوبية في ذلك الوادي. لم تقف الشيخة عند انبهارها فقط، بل مضت بقناعة إيمانها بعظمة التاريخ الذي رأتْ شـموخه بعينيها لإخراج الفكرة إلى عالم الابداع السينمائي، فاستقدمت كبار الفنانين وأمهر المخرجين والممثلين العالميين لإنتاج شريط سينمائي عن عظمة تلك الملكة النوبية. ومن بين من رشّحوا لها من كبار الممثلين والممثلات الأميركية القديرة، أنجليـنا جولـي، لأداء دور ملكة وادي النيل تلك. كان ذلك في أيام عام 2017. كتبت صحفٌ عربيةٌ، في ذلك العام، عن زيارةٍ للممثلة إلى كلٍّ من مصروالسودان، جرت من دون ضوضاء.

لا يعكس تعامل الآثاريين المصريين المتخصّصين فيما سمّوه علم المصريات اهتماما بالآثار النوبية في دولة “كــوش”

للأسف، تعثرت الفكرة، وكان واضحـا أن الأمــر يتّصل بالحساسيات التي اكتـنـفـت ذلـك الجانب من تاريخ فراعـنة وادي النيل، خصوصا الأسـرة الخامسة والعشرين التي لم تجد حظـاً من الإشهار، مثل الشهرة التي نالتها باقي الأسـر الفرعونية التي يعرفها علماء الآثار المصرية من المصـريين وسـواهم من أوروبيين وأميركييـن، وذلك منذ سـنوات القرن التاسع عشـر الميلادي. سمّوا العِـلـم الذي يُعنى بالآثار في وادي النيل بعلم “المصريات”. ما يثيرالعجب أن الآثـار الفرعونية المتصلة بمملكة كوش النوبية لم تجد اهتماما إلا من بعض علـماء الآثار الأوروبيين، ممن ساعدوا جهود علماء الآثار في التنقـيب عن المدفون في باطن الأرض من آثار ممالك النوبيين في وادي النيل. عملتْ فرق الآثارييـن من مشارق الأرض ومغاربها، وخصوصا من أوروبـا، للمساعدة على التنقيب في وادي النيل في أراضٍ داخل الحـدود السودانية. سمعت من علماء آثار سودانيين في الخرطوم ملاحظتهم بشأن غياب علماء الآثار المصريين، وهم الأقرب للسودان، مثلما هم الأسبق في التنقيب عن آثار الفراعنة والأسر الفرعونية في وادي النيل. بدا الأمر وكأن علماء مصر لا يأبهون لآثار السودان الفرعونية.

(6)

الحديث التاريخي كثير عن العلاقات الأزلية بين شطري وادي النيل، برغم الغــزير من الإرث الفرعوني الذي يجمعهما، لكن تعاونهما، وللأسف، لم يلامس ملامسة جادّة في مجالات التنقيب عن تلك الآثار. لا يعكس تعامل الآثاريين المصريين المتخصّصين فيما سموه علم المصريات اهتماما بالآثار النوبية في دولة “كوش”، بما يعكس قدرا من عدم الموضوعية والنزاهة العلمية في نظرتهم إلى آثار السودان.

مؤسِف أنْ تنبري أقلامٌ إعلامية مصـرية في التقليل من مبـادرة الشريط السـينمائي الذي بادرت الشيخة موزا إلى تولّي أمره، فأخرجـوا بذلك المبادرة من معانيها الحضارية النبيلة، لتكون جزءا من المماحكات السياسية الزائلة، فيتعثر المشروع بكامله. لعلَّ الأمل أن تسمو الجهات الأكاديمية المعنية بالآثار في مصــر، وأن لا تأبه لمثل تلك المهاترات المعزولة، فتتجاوز سلبياتها، وأن تتجـه إلى تعزيز جهود التنقيب عن آثار وادي النيل الفرعونية والنوبيـة، بما يعكس أواصر التعاضُد والتعاون والتكامل الحقيـقي الذي يجـمع شـعـبي وادي النيل، إذ أن قول هيرودوت “مصر هبة النيل” يشمل السـودان الحالي أيضا.

17/3/2023

اظهر المزيد

desk

موقع ناس برس، موقع اخباري ، يهتم باخبار السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى